محمد بن جرير الطبري
200
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
فإن قال قائل : ما كان وجه إضلالهم أنفسَهم ؟ قيل : وجهُ إضلالهم أنفسهم : أخذُهم بها في غير ما أباح الله لهم الأخذَ بها فيه من سبله . وذلك أن الله جل ثناؤه قد كان تقدّم إليهم فيما تقدّم في كتابه على لسان رسوله إلى خلقه ، بالنهي عن أن يتعاونوا على الإثم والعدوان ، والأمر بالتعاون على الحق . فكان من الواجب لله فيمن سعى في أمر الخائنين الذين وصف الله أمرهم بقوله : " ولا تكن للخائنين خصيمًا " ، معاونة من ظلموه ، دون من خاصمهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في طلب حقه منهم . فكان سعيهم في معونتهم ، دون معونة من ظلموه ، أخذًا منهم في غير سبيل الله . وذلك هو إضلالهم أنفسهم الذي وصفه الله فقال : " وما يضلون إلا أنفسهم " . * * * = " وما يضرونك من شيء " ، وما يضرك هؤلاء الذين هموا لك أن يزلُّوك عن الحق في أمر هذا الخائن من قومه وعشيرته = " من شيء " ، لأن الله مثبِّتك ومسدِّدك في أمورك ، ومبيِّن لك أمر من سعوا في إضلالك عن الحق في أمره وأمرهم ، ففاضِحُه وإياهم . = وقوله : " وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة " ، يقول : ومن فضل الله عليك ، يا محمد ، مع سائر ما تفضَّل به عليك من نعمه ، أنه أنزل عليك " الكتاب " ، وهو القرآن الذي فيه بيان كل شيء وهدًى وموعظة = " والحكمة " ، يعني : وأنزل عليك مع الكتاب الحكمة ، وهي ما كان في الكتاب مجملا ذكره ، من حلاله وحرامه ، وأمره ونهيه ، وأحكامه ، ووعده ووعيده ( 1 ) = " وعلمك ما لم تكن تعلم " من خبر الأولين والآخرين ، وما كان وما هو كائن ، فكل ذلك من فضل الله عليك ، يا محمد ، مُذْ خلقك ، ( 2 ) فاشكره على ما أولاك من إحسانه إليك ، بالتمسك بطاعته ،
--> ( 1 ) انظر تفسير " الحكمة " فيما سلف 3 : 87 ، 88 ، 211 / 5 : 15 ، وغيرها من المواضع في فهارس اللغة . ( 2 ) في المطبوعة والمخطوطة : " وما كان وما هو كائن قبل ذلك من فضل الله عليك " ، وهو غير مستقيم ، والصواب ما أثبت ، " فكل " مكان " قبل " .